f مدونة إعادة نظر

الثلاثاء، 28 يناير، 2014

هلا سترته بثوبك! !

وصلتني قبل أيام دعوة صداقة على الفيسبوك، وكعادتي مع من لا تربطني بهم معرفة مباشرة، سمحت لنفسي بجولة على منشورات هذا الحساب لعلي أظفر بخريطة ذهنية لهذا المتفضل بعرض صداقته. ولم يستغرق الأمر أكثر من ثواني لأدرك أن الأمر يتعلق بحساب وهمي، كل منشوراته عروض فضائحية.. صور في وضعيات خاصة جدا، ومواضيع عن علاقات جنسية بين أسماء وألقاب ومراكز، بعضها لأعيان وبعضها لبسطاء، ولغة تجعلك تبحث عن وصف يتجاوز كلمة "قذارة".

إلى هذا الحد قررت تجاهل الطلب السخي، فالصورة التي ترسمها مواد الحساب عن صاحبه لا تظهر أكثر من مهووس بالنصف الاسفل من الجسد، ولعله سيدرك ذات يوم حين ينضج أكثر أنه يحتاج إلى عقل وإلى روح كي يصبح إنسانا، أو لعله لن يدرك أبدا.

المشهد يبدو واضحا ومكررا في عشرات الحسابات والصفحات التي اختارت أن تذكرنا حتى على الفيسبوك بكم الأمراض والعقد التي تنخرنا. ففي النهاية سيكون من البلاهة أن نتخيل أن المرضى بتتبع عورات الناس ومدمني النميمة و"هريد الناب" سيتحولون إلى مفكرين أو حكماء بمجرد تسجيلهم على موقع إلكتروني.

غير الواضح وغير المفهوم، بالنسبة لي على الأقل، هو هذا الانخراط الجماعي والقبول الضمني الذي يظهر من كم الصداقات الهائل الذي تربطه مثل هذه الحسابات بمجرد دخولها على الشبكة، ليس فقط من فئة الأطفال ومراهقين، بل أيضا من فئة الجمعويين وأهل الأدب والمشتغلين بالسياسة.. كأننا جميعا نعيش عطشا فضائحيا هائلا نجهد لإروائه، أو معطوبون بسادية مريضة تسلي نفسها بالتلذذ بخبر فضائحي عن زميل دراسة لا نستلطفه، أو جار بعيد لا نحب نظرته، أو أناس لا تجمعنا بهم معرفة من الاساس.

هل هي رغبة بدائية في التشفي في أشخاص قد نعرفهم و قد لا نعرفهم .. هل هو فضول مرضي للإطلاع على المستور، أي مستور..هل هي مجرد نميمة إلكترونية تمنحنا متابعتها قدرا من المتعة نخادع به تعاستنا؟

لست معنيا هنا بصدقية ما تنشره مثل هذه الصفحات، فالأصل في هذه الأمور الستر، حتى لو تمت فعلا، مادمت تتعلق بسلوكيات شخصية، ومادامت اقترفت بعيدا عن الفضاء العام. وهذا ليس رأيا شخصيا قد يتهم بفرط الميوعة، بل هي قناعة أخلاقية أرساها بجلاء نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، في القصة الواردة بمسند الإمام أحمد، حين جاءه "هزّال" يبلغه بفعلة "ماعز".. لم يفرح النبي لأنه استدل على عاص متلبس بالحرام، بل جاء جوابه صادما للمبلغ : ويلك يا هزال لو كنت سترته بثوبك كان خيرا لك‏.

هذا الفضول البريء الذي لا يكلف أكثر من نقرة على الشاشة، هو الأوكسجين الذي يغذي مثل هذه الحسابات ويشجع المرضى الذين يقفون وراءها على الاستمرار.. وإذا كان الفضول قد أخرج الإنسان من جنة الآخرة، فهو في حالتنا هذه يجعل حياة آخرين، أكانوا خاطئين أو أبرياء، جهنم حقيقية.

الاثنين، 11 مارس، 2013

جبانية..



مقبرة سيدي عبد الله المظلوم، أو "جبانية" كما كنا نسميها كانت أهم فضاءات لعب "ولاد الدرب" في صباي، وألعابنا كانت مختلفة جدا عن ألعاب هذه الأيام.. كانت متنوعة وجماعية، و صديقة للبيئة إذ تعتمد على إعادة تدوير ما نجده مرميا.


في "جبانية" كنا نصنع "دراجات" من القصب وسددات علب الزيت وعلب السردين الفارغة ونتنافس في تزيينها بفوانيس من الشمع والقوارير البلاستيكية الشفافة.. كنا نصنع الطبول في رمضان من علب الصباغة وأكياس البلاستيك السميكة، صناعنا السيوف والبنادق القصبية وكانت "ركيزة" لعبتنا الشتوية بامتياز.. وفي "جبانية" أيضا كنا نتلذد بأكل "الثورة" و"العشلوش" وأحيانا بوجبات أكثر تعقيدا مثل شي العصافير أو طبخ "الببوش" (حيث كنت أكتفي بالتفرج).. وبين الحين والآخر كانت "جبانية" تحتضن هزائمنا وانتصاراتنا في معارك الحجارة التي نخوضها ضد "ولاد حومة سيدي الكامل" أو "ولاد حومة المحفر" حين يتملكنا الضجر.

الأربعاء، 7 سبتمبر، 2011

هكذا يموت الفلاسفة




إذا صحت مقولة الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز حول كون قيمة الفلسفة تكمن في طرح التساؤلات وليس في الإجابة عليها، فالأطفال يولدون فلاسفة بلا شك، بل ومشتغلين بجوهر الفلسفة، أي التساؤل.

سألني مرة طفل في ربيعه الرابع عن سبب خلق الكلاب، ولجهلي أنني أقف أمام فيلسوف حقيقي، أجبت باستخفاف وتبرم ظاهر"لحراستنا من اللصوص"، «وهل اللصوص أشرار؟" سأل مرة أخرى. حتى إذا ما أجبت بنعم قاطعة ظانا أنها تضع حدا لسيل الأسئلة، سكت الصغير هنيهة ثم عاد ليسأل "إذا كان اللصوص أشرار، فلماذا خلقهم الله؟". لقد كان محاوري الصغير يطرح ذات السؤال الذي حار فيه المتكلمون وأسال أصحاب المقالات من الفلاسفة: لماذا خلق الشر؟

الجمعة، 24 يونيو، 2011

عن الوطنيين والمناضلين الجدد






الكلمات الكبيرة فقاعات صابون، براقة ومنتفخة، لكنها فارغة وسرعان ما تتبدد كأن لم تكن، ونحن اليوم في موسم الفقاعات. لهذا السبب صار طقس اعتيادي مثل قراءة جريدة أمرا فوق طاقتي، فالجرائد هذه الأيام والمواقع الإلكترونية بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي تعيش تخمة نضالية ووطنية تجعلتها تتجشأ الكلمات الكبيرة طوال الوقت.


الثلاثاء، 22 فبراير، 2011

20 فبراير .. هذه شهادتي




تدوينتي هذه أعتبرها شهادة متأخرة بـ 44 ساعة، شهادة لم يكن من الممكن كتمانها رغم إدراكي لكونها نغمة نشاز لا تنضبط لنوتات المعزوفة الجماعية التي تدق الآن. كنت هناك يوم 20 فبراير، وهذه إفادتي أختار أن تكون مصورة. فهناك شيء ما في نظرة طفل كان يرفع لافتة كتب عليها: "أنا مع الملكية ومطالب 20 فبراير" يظهر أنه لم يكن عميلا ولا مخربا، وهناك سر ملائكي في ابتسامة صغيرة وقفت بجواره يسقط عنها إفك الفتنة.




الخميس، 10 فبراير، 2011

النباهة والاستخراف



إذا كان الشهيد على شريعتي قد اسهب في الحديث عن مفهوم "الاستحمار"  باعتباره اسلوبا ممنهجا لقتل نباهة الشعوب المستعمرة، فأن أحداث الثورتين التونسية والمصرية وما صاحبهما من نقاش حول التغيير في البلدان العربية، تمكن من رصد نمط آخر لاغتيال النباهة يمكن تسميته "الاستخراف"، وهو أيضا أسلوب ممنهج  من التشويه والمسخ بغية دفع الشعوب إلى إدراك ذواتها كقطعان ماشية، يمكن أن تتعرض للهلاك أو الفناء إذا رفعت عنها العصا الغليظة التي يهش بها الحاكم، ويجعل من الحاكم شخصا خارقا ذو تركيبة جينية خاصة، كلف بمهمة إلهية تتمثل في قيادة الخراف الضالة إلى المراعي الآمنة، في ضوء المتغيرات الإستراتيجية وموازين القوة الدولية و المؤامرات الخارجية وغيرها من المصطلحات الكبيرة التي تسحر بها أعين الناس. الاستخراف هو عين ما عناه مثلا نائب الرئيس المصري عمر سليمان حين صرح بأن الشعب المصري غير مؤهل بعد للديمقراطية.


الخميس، 11 نوفمبر، 2010

النكوص..أو حاشية عربية على نظرية التطور


تفيد إحدى المقولات التي تستند إليها نظرية التطور، أن الأحياء الأكثر قدرة على المنافسة في ما يسمى "صراع البقاء"، هي تلك التي تبدي قدرة أكبر على التكيف مع محيطها. وهكذا مثلا، نجت سلاحف جزيرة غالاباكوس من الفناء لأنها استطاعت تطويل أعناقها، أكثر قليلا من بني جنسها في بقية العالم ، حتى تتمكن من الوصول إلى النباتات العالية في الجزيرة. يزعم التطوريون أيضا، أن الأعضاء المستعملة تتطور وتتقوى، بينما تضمر الأعضاء المعطلة وغير المستعملة بمرور الوقت، وتنتقل ضامرة إلى بقية أجيال النوع. وبهذه الطريقة، اعتبر لامارك أن الثعابين كان لها أطراف فقدتها لأنها أهملت استعمالها ولم تكن بحاجة إليها.

بطبيعة الحال، لا يتوقف دارون عند السلاحف أو الثعابين، بل يسقط قوانينه على كل الكائنات الحية، بما فيها الإنسان. لكن ماذا لو تسنى لداروين بعد أن أتم خلاصاته حول أجداده الكرام ووصل إلى آخر جذر في شجرته العائلية، أن يخصص بعضا من الوقت لاستشراف صيرورتنا التطورية

الأربعاء، 27 أكتوبر، 2010

عن الأسد والثور .. وخلافات السياسة


قال لي صديق الأسبوع الماضي :من المؤسف جدا أن النهاية الفاجعة لقطيع الثيران الثلاثة، الأحمر والأبيض والأسود، كانت بلا جدوى ولم تخلف أية عبرة للأجيال اللاحقة، التي لايبدو أنها تأبه كثيرا لمصير اسلافها الثلاث ولا لبيدبا الحكيم ونصائحه، أو حتى لعبد الله بن المقفع وما تكبده من عناء وهو يفك لها طلاسم السنسكريتية، لعلها تعقل أو تتعظ. أعقاب الثيران التي تعيش بين ظهرانينا، تعتقد أنها ليست غبية لتسلم الحظيرة بمن فيها للأسود، فهي أولى من السباع بالأبيض والأحمر والأسود..ثيران اليوم لها مخالب وأنياب.. والذكي منها، كما سمعت من ثور مثقف، هو من يأكل بنفسه لحم إخوانه، فحظيرة الثلاثة، قد تكفي الواحد القنوع.

الأربعاء، 13 أكتوبر، 2010

بعض ما لا يباع ..أو مكتبة الاستاذ العسري






اجتياز عتبة مكتبة الاستاذ محمد العربي العسري بشارع الزرقطوني نقلة بين عالمين متباعدين رغم التجاور الظاهر. عالمان لكل منهما زمنه الخاص وإيقاعه المستقل ولغته المختلفة. عالم السوق الصاخب المزدحم، حيث كل شيء مسعر، وكل معروض قابل للأخذ والرد والمفاصلة، وحيث القيمة لا تعني أكثر من رقم. وآخر مسكون بالثقافة والأدب، للفكر فيه صخب صامت وألق مستتر لا يتجلى لأي عين، حيث القيمة روح لا تدركها الأرقام. كأن تلك المكتبة، على ضيق مساحتها، أرض رباط للمعنى ،و ثغر ثقافي مازال يقاوم باستماتة قيم التسلع الزاحفة التي تغتال كل جميل في مدينة القصر الكبير وتمسخها سوقا كبيرا مستباحا.

أول ما يسترعى الانتباه آن دخول المكتبة، هو الصور التي تحتفي بها الجدران. صور لعلماء وأدباء وفنانين سقطوا سهوا من ذاكرتنا المعتلة.. أو ربما أسقطوا. صور بالأبيض والأسود، طالها اصفرار

الثلاثاء، 28 سبتمبر، 2010

حتى لا تصبح الفوضى عقابا جماعيا لمدينة!!




أخيرا ظهرت بارقة أمل، وتبث أن ثمة بين إطارات المدينة من لا تزال الحياة تدب في هياكله.
أخيرا هناك من يرفع صوته دفاعا عن القصر الكبير، التي أصبحت مدينة مستباحة لا يعرف فيها أين يبدأ السوق ولا أين ينتهي، لا أين يبدأ الرصيف (إن وجد) ولا أين ينتهي، والتي تتماها فيها أمارات التمدن مع مظاهر البداوة، فالدواب تزاحم الناس في طرقاتهم بروثها، الذي يحقق المعجزات ويجعل "الزفت" يصفر وينبت الزرع

الاثنين، 24 مايو، 2010

مجتمع الفصام





أيقنت عبر تجربتي مع القطارات أن هذه الصناديق الحديدية المتحركة أكبر من أن تكون مجرد وسيلة نقل باردة، فهي فضاء اجتماعي مثالي لممارسة لعبة الأقنعة بما أنها تجمع على خشبة واحدة ولمدد زمنية محددة شخصيات من خلفيات متنوعة ومن مناطق متباعدة.

جميعنا نستطيع مباشرة بعد ابتياع التذكرة تقمص ما نشاء من الشخوص، وفق عظم المكبوتات وحسب درجة التشوه النفسي والاجتماعي، ونستطيع استعارة تاريخ شخصي حافل بالأمجاد، وتبني أكثر الأفكار تنورا وثورية، دون أية تبعات ولا التزامات

الاثنين، 12 أبريل، 2010

كفوا مراثيكم عن القصر الكبير!!





تكتب المراثي عادة لاستذكار الغابرين ومن طوى الموت صفحتهم وغيبتهم سراديب التاريخ المغبرة، فيتغنى بفضائلهم وسالف أمجادهم إحياء لذكرى لا يستتبعها أكثر من الحسرات والدموع.ومن قدر الله لمدينة القصر الكبير أن جعل لها نصيبا وافرا من مراثي مثقفيها بل لعل الرثاء هو كل ما للمدينة منهم، مع ذرف العبارات الحارة على أزمنة غابرة تتراءى في مرآة الحنين وردية زاهية لا يشوب صفاءها تخريب العابثين ولا يكدر نقاءها غدر المفسدين. الرثاء فعل نبيل ودليل حب ووفاء، لكن حين يقال في الموتى، أما رثاء الأحياء فوأد وإقبار..والقصر الكبير مدينة حية.


لا اعتقد أن بمدينتنا حاجة لدموع من يشيعها حية بقدر حاجتها لعرق مسؤوليها وسياسييها وجمعياتها ومثقفيها والبسطاء من أبنائها

الجمعة، 16 أكتوبر، 2009

أجمل مدينة !!







تقول إحدى حكايا الهنود الحمر أن محاربا شجاعا وقائدا عظيما لقبيلة قديمة استبد به الملل من حروبه وانتصاراته، ففكر في الترويح عن نفسه عبر رحلة يزور فيها أجمل مكان في العالم، لجأ المحارب الهندي إلى نسر عملاق ورجاه أن يقله إلى أجمل مكان رآه النسر طوال تنقلاته الطويلة بين أصقاع الأرض، وبالفعل طار النسر بالهندي وقطعا معا الأيام الطوال مرتحلين إلى أن حط النسر أخيرا على صخرة جرداء في قلب المحيط، وحين صاح المحارب بالنسر مستنكرا أن يأتي به إلى صخرة مقفرة عوض أن يريه عجائب الأرض أجاب النسر:هذا أجمل مكان في الوجود بالنسبة لي..هنا ولدت.

مثل نسر الأسطورة الهندية لدينا نحن أيضا صخرة مقفرة نسكنها في حلنا وتسكننا آن ترحالنا، نعتبرها أجمل مدينة بالوجود ونسميها القصر الكبير. ومثل علاقة النسر بصخرته هناك بعض العجب في علاقتنا بمدينتنا